عبد الملك الجويني

126

الشامل في أصول الدين

والتفاوض ، التنبيه بذكر صورة على أمثالها ، فقد جحد ما لا يجحد . وأما قولهم إن سأل نفسه الدليل على الصانع ، ثم تعرض لينفي كون الإنسان صانعا . فهذا خلف من السؤال ، دل على ذهول السائل عن سياق الكلام ، واقتصاره على بعض أطراف الدليل . وذلك أن شيخنا ذكر في تعلق البناء بالباني ، والكتابة بالكاتب ، ما أوضح به استحالة تكوّن الحادثات من غير تعلق بمخصص . ثم ذكر في تصانيف الكلام ، ما ينفي كون الإنسان خالقا . فانطوى كلامه الوجيز على إثبات الصانع على الجملة ، ونفي كون الإنسان خالقا ، فقد أجاب عما عنه سأل وزاد . وأما اعتراضهم على الترتيب ، ومصيرهم إلى وجوب تقديم إثبات الفعل والحدوث على إثبات الفاعل ، فساقط . فإنهم لا يخلون : إما أن يمنعوا هذا الترتيب ولا يجيزوه أصلا ، أو يجيزوه مع المصير إلى أن غيره أحسن منه . فإن منعوه جملة ، بطل ما قالوه من وجهين : أحدهما : أنه لا يمتنع في طرق النظر تقدير تسليم أصل جدلا ، وتأسيس نظر عليه . فالدهرية وإن صاروا إلى قدم العالم ، لو قدر عليهم حدث وفعل ، فهموه ، فيقدر عليهم . ثم نوضح افتقار ما قدر إلى فاعل ، وقد سبق ذلك في فصول النظر . والوجه الآخر في الجواب أن نقول : من الملحدة من أثبت ضروبا من الحوادث كالأعراض ونحوها ، وزعم أنها تنفعل من غير مخترع مخصص . وقد أثبت بعض المنتمين إلى الملة حوادث ليست بأفعال الفاعلين . وإلى قريب من ذلك صار ثمامة بن أشرس ، وبعض القائلين بالتولد ، فلا يمتنع إذا نصب الدليل على هؤلاء مع قولهم بقدم جواهر العالم . وليس يتعين على كل حبر « 1 » أن يجمع في المختصرات تتبع جميع أقوال الطوائف ، بل له التعرض لبعضها والاضراب عن سائرها . وقد يستدعي من الأئمة الكلام في أعيان من المسائل ، فيسعفون السائلين بمناهم . فوضح بطلان قول من قال : إن هذا الترتيب غير جائز . وإن سلموا جوازه وناقشوا في حسنه ، هان الخطب ، إذ لا يتعين على المصنف أحسن ترتيب . على أن الذي قال رضي اللّه عنه من أحسنه ، وإن رام غرضين ، لم يفطن لهما أغبياء المعتزلة وجهالهم . أحدهما : أنه رأى كثيرا من الناس ينفرون عن طرق الكلام ويأبونها ، ولو صدر الكلام بإثبات الأعراض والتعرض للجواهر ، لن يأمن أن ينفر صدر كتابه مطالعه ، فبدأ بإثبات الصانع في معرض لا يأباه أحد ، ثم ذكر حدث العالم في درج الكلام ، وقدّره كالركن من أركان الدلالة .

--> ( 1 ) الحبر : العالم الصالح ( ج ) أحبار .